إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية غير مصنف صرخة الوجود: حرية التعبير من قيد الصمت إلى رحاب الإنسانية

صرخة الوجود: حرية التعبير من قيد الصمت إلى رحاب الإنسانية

حجم الخط

 

 


 

صرخة الوجود: حرية التعبير من قيد الصمت إلى رحاب الإنسانية

منذ أن وجد الإنسان نفسه وحيداً أمام عظمة الكون، لم يكن يملك سوى صوته ليثبت وجوده؛ فالحقيقة الراسخة هي أننا لا نعيش لنأكل ونشرب فحسب، بل نعيش لنتكلم، لنعترض، لنبني برؤانا عوالم لم تكن موجودة. إن حرية التعبير ليست مجرد نص قانوني ندرسه في أروقة الجامعات، بل هي "رئة الروح" التي يتنفس بها المجتمع؛ فبدونها يتحول البشر إلى مجرد أرقام صامتة في سجلات التاريخ، وتتحول الأوطان إلى مساحات شاسعة من السكون الموحش. إن الحق في التعبير هو امتداد طبيعي للحق في الحياة، فما قيمة الجسد الذي يتنفس إذا كان العقل مكبلاً بأصفاد من خوف؟

 

وعندما نتأمل في ماهية الكلمة كحق طبيعي، ندرك أنها سبقت القوانين والمواثيق بآلاف السنين. الإنسان لم ينتظر توقيع المعاهدات ليصرخ من الألم أو ليغني للأمل؛ فالقدرة على الإفصاح هي جوهر الكرامة الإنسانية. وحين جاء العالم بأسره، بآلامه وندوبه بعد حربين عالميتين طحنتا كل جميل، ليرفع صوته في عام 1948 من خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لم يكن يفعل شيئاً سوى "توثيق الفطرة". في المادة التاسعة عشرة من ذلك الإعلان، نجد صياغة أدبية تلمس الشغاف قبل أن تخاطب العقل؛ فهي لم تمنحنا حق الكلام فقط، بل منحتنا حق "اعتناق الآراء دون مضايقة"، وحق "التماس الأنباء والأفكار ونقلها دون اعتبار للحدود". هذا النص هو اعتراف كوني بأن عقل الإنسان ليس ملكاً لأحد، وأن فكرته هي أرضه المقدسة التي لا يجوز اقتحامها.

 

وإذا أردنا أن نغوص أكثر في معنى "الإلزام الأخلاقي" الذي تحول إلى "سلطة قانونية"، فلا بد أن نستذكر العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966. هذا الميثاق لم يأتِ ليرسم أحلاماً، بل جاء ليضع الحكومات أمام مسؤولياتها. لقد أكد في مادته التاسعة عشرة أن لكل إنسان الحق في حرية التعبير، وهذا الحق يشمل البحث عن المعلومات وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، سواء كان ذلك في شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني. إن الإسهاب هنا في وصف وسيلة التعبير (الكتابة، الفن، الطباعة) يعكس إدراك المشرع الدولي بأن الروح الإنسانية مبدعة بطبعها، فقد تعبر عن رأيها بريشة رسام، أو بلحن موسيقي، أو بمقال صحفي يحلل الواقع. إن هذا الميثاق جعل من صمت الإنسان "جريمة" في حق الإنسانية إذا كان هذا الصمت ناتجاً عن إكراه أو ترهيب.

 

ولكن، هل الحرية تعني الفوضى؟ هنا تبرز نقطة في غاية الأهمية والعمق، وهي أن الحرية والمسؤولية توأمان لا ينفصلان. المواثيق الدولية، وهي تبسط جناح الحرية، لم تغفل عن حماية كرامة الآخرين؛ فالكلمة الحرة هي التي تبني الجسور لا التي تهدم الجدران. لذلك، وضعت المعايير الدولية ضوابط دقيقة، لكي لا تتحول الحرية إلى ذريعة لبث الكراهية أو التحريض على العنف. ولكن الجمال في التشريع الدولي يكمن في "الصرامة" التي تُقيد بها هذه القيود؛ فلا يجوز لأي سلطة أن تمنع كلمة إلا إذا كان المنع منصوصاً عليه في قانون واضح، ويهدف لمصلحة مشروعة، ويكون "ضرورياً" بالقدر الذي لا يخنق الحرية نفسها. إنها معادلة دقيقة تشبه ميزان الذهب، حيث تكون الغلبة دائماً للأصل، وهو الحرية، والقيود هي الاستثناء الضيق الذي لا يجوز التوسع فيه.

 

وفي عصرنا هذا، نجد أن هذه المعاني قد اكتسبت أبعاداً جديدة ومذهلة مع ظهور الفضاء الرقمي. اليوم، لم تعد الحدود الجغرافية قادرة على حبس الفكرة؛ فالمنشور الذي تكتبه وأنت جالس في غرفتك، قد يهز ضمير العالم في القارات البعيدة. التكنولوجيا هنا ليست مجرد أدوات، بل هي "مكبرات صوت" كونية للحقوق التي نصت عليها المواثيق القديمة. وحين نتحدث عن حرية الصحافة والإعلام، فنحن نتحدث عن "عين المجتمع" التي لا تنام؛ فالمواثيق الإقليمية، كالميثاق العربي لحقوق الإنسان والاتفاقية الأوروبية، ركزت على أن التعددية الإعلامية هي صمام الأمان لأي مجتمع يريد التقدم. الصحفي ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو حارس الحقيقة، وحمايته قانونياً هي ضمانة لكي لا يغرق المجتمع في ظلام التضليل.

 

إن الدفاع عن حرية التعبير هو في جوهره دفاع عن "الحقيقة". فالحقيقة لا تظهر في الغرف المغلقة، بل تولد من صراع الأفكار وتلاحق الآراء. وحين نتمسك بـ المادة العاشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان أو المادة 32 من الميثاق العربي، فإننا نتمسك بحقنا في أن نكون جزءاً من صناعة المستقبل. إننا نؤمن بأن الكلمة الصادقة هي السلاح الأقوى في مواجهة التجهيل؛ فالمجتمعات التي تتحدث بصدق هي المجتمعات التي تكتشف أخطاءها وتصحح مسارها، أما المجتمعات التي تفرض الصمت فهي مجتمعات تختار الموت البطيء تحت وطأة الزيف.

 

ختاماً، إن هذه المسيرة الطويلة للكلمة، من حناجر الثوار القدامى إلى شاشات الهواتف الذكية، هي قصة كفاح بشرية مستمرة. فليكن قلمنا دائماً منحازاً للحرية، وليكن صوتنا مدوياً بالحق، مستندين إلى هذا التراث العظيم من المعاهدات والمواثيق التي لم تُكتب لتوضع في المتاحف، بل لتكون درعاً يحمي كل من تجرأ على قول "لا" في وجه الظلم، وكل من آمن بأن الكلمة هي أقدس ما يملكه الإنسان. ففي البدء كانت الكلمة، وبحرية الكلمة سيبقى للإنسان معنى، وللحياة قيمة، وللعدالة منبر لا ينكسر.

 

 

راسلنا واتساب