إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية غير مصنف كيف انهاء الشيوع وقسمة المال الشئع

كيف انهاء الشيوع وقسمة المال الشئع

حجم الخط

 

 

 

قسمة المال الشائع في القانون المصري

تعد الملكية الشائعة في النظام القانوني المصري حالة من حالات "الملكية القلقة"، حيث تتزاحم الحقوق على عين واحدة دون تحديد مادي، وهو ما جعل المشرع المصري ينظر إلى الشيوع باعتباره وضعاً استثنائياً مؤقتاً يجب إنهاؤه متى طلب أحد الشركاء ذلك. وقسمة المال الشائع ليست مجرد إجراء حسابي، بل هي عملية قانونية معقدة تهدف إلى تحويل الحصة الشائعة "المعنوية" إلى ملكية مفرزة "مادية"، تستوجب الإحاطة بنصوص القانون المدني وقانون المرافعات وأحدث توجهات محكمة النقض.  

 

أولاً: حق الشريك في إنهاء حالة الشيوع (الأصل القانوني الآمر)

لا يمكن الحديث عن القسمة دون تأصيل الحق فيها؛ فقد قرر المشرع في المادة 834 من القانون المدني مبدأً لا يجوز الاتفاق على مخالفته بصفة مؤبدة، حيث نصت على أن: "لكل شريك أن يطلب قسمة المال الشائع ما لم يكن مجبراً على البقاء في الشيوع بمقتضى نص أو اتفاق". هذا النص يعني أن حق المطالبة بالقسمة هو حق لصيق بملكيتك للحصة، فلا يملك باقي الشركاء إجبارك على الاستمرار في الشيوع مهما بلغت حصصهم.

ومع ذلك، وضع المشرع قيداً زمنياً للاستقرار، فسمح بالاتفاق على عدم القسمة لمدة لا تتجاوز خمس سنوات، وذلك لحماية المال من التفتت في أوقات غير مناسبة. وإذا اتفق الشركاء على مدة أطول، فإن الاتفاق ينحسر أثره إلى السنوات الخمس فقط. والمغزى هنا هو أن المشرع يوازن بين حرية التصرف واستقرار المركز القانوني للمال، فلا يُحبس الشريك في ملكه للأبد، ولا يُفاجأ الشركاء بطلب القسمة في وقت يضر بالاستثمار القائم على العين.

 

ثانياً: القسمة الرضائية.. حينما يسمو الاتفاق على النزاع

عندما يجتمع الشركاء على كلمة سواء، تبرز القسمة الرضائية كأفضل السبل. وقد صاغ المشرع المادة 835 مدني لتعطي الشركاء "حرية مطلقة" في اختيار طريقة التقسيم، بشرط واحد هو "الإجماع". تقول المادة: "للشركاء إذا أجمعوا أن يقتسموا المال الشائع بالطريقة التي يرونها".

وهنا يجب أن نفصل في نقطة جوهرية: الإجماع لا يعني الأغلبية، فلو ملك شريك واحد جزءاً من ألف من العين واعترض، توقفت القسمة الرضائية فوراً ولجأنا للقضاء. كما أن هذه القسمة في العقارات لا تكون حجة على الغير إلا بالتسجيل في الشهر العقاري. وإذا كان بين الشركاء قاصر أو محجور عليه، فإن القانون المصري لا يترك الأمر للاتفاق المجرد، بل يوجب تدخل "النيابة الحسبية" وموافقة المحكمة المختصة لضمان عدم ضياع حق ناقص الأهلية، مما يجعل القسمة الرضائية في وجود قاصر تمر بمراحل تشبه الإجراءات القضائية من حيث الرقابة والضمانات.

 

ثالثاً: دعوى الفرز والجنب.. ساحة القضاء لفك الاشتباك

إذا استعصى الاتفاق، ننتقل إلى الطريق القضائي عبر دعوى "الفرز والجنب". المشرع في المادة 836 مدني رسم طريقاً إجرائياً دقيقاً، يبدأ بتكليف كافة الشركاء بالحضور أمام المحكمة الجزئية. وهنا نلاحظ ميزة موضوعية، وهي أن الاختصاص للمحكمة الجزئية ثابت مهما كانت قيمة المال، تيسيراً على المتقاضين ولتقريب جهات التقاضي من أصحاب الحقوق.

الدور المحوري هنا للمحكمة هو "ندب خبير". والخبير هنا ليس مجرد مهندس مساحة، بل هو "عين القاضي" التي تقوم بتقويم المال بالكامل على أساس القيمة السوقية وقت القسمة وليس وقت نشوء الشيوع. وبموجب المادة 837، يلتزم الخبير بتكوين حصص على أساس "أصغر نصيب"، فإذا كان هناك ورثة يملكون أنصبة متفاوتة، يقوم الخبير بتقسيم الأرض مثلاً إلى قطع صغيرة متساوية القيمة، ثم يتم التوزيع بالقرعة. وإذا وجد الخبير أن إحدى القطع أقل قيمة من الأخرى (كأن تكون بعيدة عن الطريق العام)، فإنه يوجب ما يسمى "معدل القسمة"، وهو مبلغ نقدي يدفعه من حصل على القطعة الأفضل لمن حصل على القطعة الأقل، ليتحقق التعادل الحسابي والموضوعي.

 

رابعاً: قسمة التصفية والبيع بالمزاد العلني

هناك حالات يصطدم فيها حق الشريك في القسمة باستحالة التنفيذ العيني. تنص المادة 841 مدني على أنه: "إذا لم تمكن القسمة عيناً، أو كان من شأنها إحداث نقص كبير في قيمة المال المراد قسمته، بيع المال بالطريقة المبينة في قانون المرافعات".

هنا ننتقل من "القسمة العينية" إلى "قسمة التصفية". ويتحقق ذلك إذا ثبت للمحكمة من تقرير الخبير أن تقسيم العين سيؤدي إلى تفتيتها بحيث لا تصلح للغرض الذي أعدت له (كشقة مساحتها صغيرة يملكها عدد كبير من الورثة). في هذه الحالة، تقضي المحكمة ببيع العقار بالكامل في المزاد العلني، ويتم توزيع "الثمن" على الشركاء كل حسب حصته. وقد منح المشرع الشركاء ميزة في هذه المادة، وهي إمكانية قصر المزايدة عليهم فقط إذا أجمعوا على ذلك، منعاً لدخول غريب بينهم إذا كانت لديهم القدرة المالية على شراء حصص بعضهم البعض.

 

خامساً: الأثر الكاشف للقسمة وحماية الاستقرار القانوني

تعتبر المادة 843 مدني هي الركيزة الموضوعية الأهم، حيث نصت على أن: "يعتبر المتقاسم مالكاً للحصة التي آلت إليه منذ أن تملك في الشيوع، وأنه لم يملك غيرها شيئاً في بقية الحصص".

هذا ما يعرف بـ "الأثر الكاشف"، ومعناه أن القانون يفترض جدلاً أن الحالة التي استقرت بعد القسمة هي الحالة التي كانت موجودة منذ البداية. فإذا آلت إليك شقة معينة بعد قسمة ميراث، فأنت مالك لها من تاريخ وفاة المورث، وليس من تاريخ صدور حكم القسمة. وتتجلى خطورة هذا المبدأ في حماية الشريك من التصرفات التي قد يكون شريكه الآخر قد أجراها أثناء فترة الشيوع؛ فإذا رتب شريك ركناً أو رشناً على العين كلها، ثم وقع هذا الجزء في نصيبك أنت، فإن هذا الرهن ينحسر عن حصتك وتنتقل إليك خالية، لأن الشريك الآخر -بأثر رجعي- لم يملك هذا الجزء أبداً.

وفي هذا السياق، استقرت محكمة النقض في أحكامها على أن: "الأثر الكاشف للقسمة من النظام العام، ويرتد أثره إلى تاريخ نشوء الشيوع، مما يترتب عليه تطهير الجزء المفرز من أي تصرفات صادرة من غير من آلت إليه الحصة" (الطعن رقم 1420 لسنة 52 ق).

 

سادساً: ضمان الاستحقاق والغبن في القسمة

بعد انتهاء الإجراءات، قد يظهر طرف ثالث يدعي حقاً على الحصة التي آلت لأحد الشركاء. هنا أوجبت المادة 844 مدني على المتقاسمين أن يضمن بعضهم لبعض ما قد يقع من تعرض أو استحقاق لسبب سابق على القسمة. فإذا استحق جزء من حصة أحد الشركاء، وجب على الباقين تعويضه بنسبة حصصهم لكي تظل العدالة قائمة.

أما فيما يخص "الغبن"، فقد فتحت المادة 845 مدني باباً لنقض القسمة الرضائية إذا ثبت أن أحد الشركاء قد وقع عليه غبن يزيد عن "الخمس". ولكن المشرع قيد هذه الدعوى بمدة سنة واحدة من تاريخ القسمة، حرصاً على استقرار المراكز القانونية. كما أن القسمة القضائية لا يجوز الطعن عليها بالغبن، لأن رقابة القضاء وندب الخبراء والقرعة العلنية توفر ضمانة تنفي مظنة الظلم.

 

سابعاً: القسمة المهيأة كحل مؤقت للانتفاع

أحياناً لا يرغب الشركاء في إنهاء الملكية، ولكنهم يريدون تنظيم "الانتفاع". هنا تبرز المادة 846 مدني التي نظمت "القسمة المهيأة المكانية"، حيث يتفق الشركاء على أن يختص كل منهم بالانتفاع بجزء مفرز يوازي حصته، مع بقاء الرقبة على الشيوع. كما نظمت المادة 847 "المهيأة الزمانية"، وهي تناوب الانتفاع بالعين كلها لفترات زمنية محددة. وتتحول هذه القسمة المؤقتة إلى قسمة نهائية بقوة القانون إذا استمرت لمدة خمس عشرة سنة دون أن يطلب أحد الشركاء القسمة النهائية، وذلك وفقاً لمبدأ استقرار الأوضاع الظاهرة.

 

ثامناً: القواعد الإجرائية المكملة (قانون المرافعات)

لا يكتمل المقال دون الإشارة إلى أن دعوى القسمة تتطلب تسجيل "صحيفة الدعوى" في الشهر العقاري إذا انصبت على عقار، وإلا قضي بعدم قبولها وفقاً للمادة 15 من قانون الشهر العقاري رقم 114 لسنة 1946. كما أن الأحكام الصادرة بالقسمة العينية أو بالبيع بالمزاد يجب إشهارها لكي يحتج بها في مواجهة الغير ولنقل الملكية المفرزة في السجلات الرسمية.

  

قسمة المال الشائع طبقا للقانون الكويتي

انتقالاً من القانون المصري إلى القانون الكويتي، سنجد تقارباً كبيراً في الفلسفة القانونية نظراً لاستقاء القانون المدني الكويتي الكثير من أحكامه من نظيره المصري، إلا أن هناك خصوصية إجرائية وفنية وضعها المشرع الكويتي في القانون المدني رقم 67 لسنة 1980 (المواد من 812 إلى 835) وفي قانون المرافعات الكويتي.

تعتبر الملكية الشائعة في المجتمع الكويتي، خاصة في العقارات الموروثة، من أكثر القضايا حيوية وحساسية، إذ غالباً ما تتداخل فيها صلة القرابة مع المصالح المالية. وقد وضع المشرع الكويتي تنظيماً محكماً لإنهاء هذه الحالة، مستهدفاً الحفاظ على القيمة الاقتصادية للمال ومنع تعطيل الانتفاع به، معتبراً أن "الشيوع" هو حالة استثنائية والأصل هو "الاستقلال".

 

أولاً: الحق في طلب القسمة (مبدأ حرية التملك)

نصت المادة 821 من القانون المدني الكويتي على المبدأ العام: "لكل شريك أن يطلب قسمة المال الشائع ما لم يكن مجبراً على البقاء في الشيوع بمقتضى القانون أو الاتفاق...".

وهنا نجد أن القانون الكويتي، كالمصري، يمنع إجبار الشريك على البقاء في الشيوع إلا إذا كان هناك "غرض مقصود" من بقاء المال شائعاً (مثل الحوائط المشتركة أو المداخل التي لا تقبل القسمة). ويجوز للشركاء الاتفاق على البقاء في الشيوع لمدة لا تتجاوز خمس سنوات، وهذا الاتفاق ينفذ في حق الخلف العام (الورثة) والخلف الخاص (المشتري) طالما كان ثابتاً بوثيقة رسمية.

 

ثانياً: القسمة الرضائية (النهج الودي)

أعطت المادة 822 مدني كويتي الأولوية للاتفاق، فإذا أجمع الشركاء (بإجماع الآراء) على طريقة معينة للقسمة، فإن إرادتهم تسمو على أي إجراء آخر.

الضوابط الكويتية للقسمة الرضائية:

  1. الإجماع المطلق: لا يكفي رأي الأغلبية مهما بلغت حصصهم.

  2. الشكلية الرسمية: في الكويت، نظراً لأهمية الملكية العقارية، يجب أن تُفرغ القسمة الرضائية في "محرر رسمي" موثق لدى إدارة التسجيل العقاري بوزارة العدل لتكون حجة على الكافة.

  3. حماية القصر: إذا كان بين الشركاء قاصر أو محجور عليه، فلا تصح القسمة الرضائية إلا بعد الحصول على إذن من محكمة شؤون القصر، للتأكد من أن القسمة لم تنطوِ على هضم لحقوقهم.

     

ثالثاً: القسمة القضائية (دعوى الفرز والجنب أمام المحاكم الكويتية)

عند تعذر الاتفاق، رسمت المادة 823 وما بعدها الطريق القضائي. وتتميز الإجراءات في الكويت بالدقة الإجرائية التالية:

  1. الاختصاص: تُرفع الدعوى أمام المحكمة الكلية (الدائرة المدنية) أو المحكمة الجزئية بحسب الأحوال، ويجب اختصام كافة الشركاء دون استثناء، وإلا كانت الدعوى غير مقبولة.

  2. ندب الخبير: تندب المحكمة خبيراً من إدارة الخبراء بوزارة العدل. ومهمة الخبير في القانون الكويتي هي:

    • تقويم المال الشائع.

    • بحث إمكانية القسمة عيناً دون نقص كبير في قيمته.

    • تكوين الحصص على أساس القيمة لا المساحة فقط (التعادل المادي).

  3. معدل القسمة: إذا تعذرت القسمة العينية المتساوية تماماً، يقرر الخبير "معدلاً" نقدياً لتعويض الشريك الذي حصل على حصة أقل قيمة، وهو ما نصت عليه المادة 824.

     

رابعاً: قسمة التصفية (البيع بالمزاد العلني)

إذا انتهى تقرير الخبير إلى أن المال لا يقبل القسمة (كأن يكون العقار بيتاً في منطقة السكن الخاص لا تزيد مساحته عن 400 متر ويملكه عشرة ورثة)، هنا تقضي المحكمة ببيع العقار "لعدم إمكانية القسمة العينية".

إجراءات البيع في الكويت:

  • يتم البيع عن طريق إدارة التنفيذ بموجب قائمة شروط البيع.

  • تجري المزايدة علانية، ويتم الإعلان عنها في الجريدة الرسمية (الكويت اليوم) وجريدتين يوميتين.

  • نصت المادة 827 على ميزة هامة: "إذا طلب الشركاء بالإجماع قصر المزايدة عليهم، أجيبوا إلى طلبهم". وهذا يحفظ خصوصية العقارات العائلية في الكويت من دخول الغرباء.

     

خامساً: الأثر الكاشف للقسمة في القانون الكويتي

تبنى المشرع الكويتي في المادة 829 المبدأ التاريخي للأثر الكاشف: "يعتبر المتقاسم مالكاً للحصة التي آلت إليه منذ أن تملك في الشيوع، وأنه لم يملك غيرها شيئاً في بقية الحصص".

تطبيقات عملية في الكويت: إذا قام أحد الورثة برهن حصته الشائعة لأحد البنوك (مثل بنك الائتمان)، ثم تمت القسمة وآلت الشقة أو القسيمة لوريث آخر، فإن الرهن ينحصر في الحصة التي آلت للشريك الراهن فقط، وتنتقل الحصة للوريث الآخر خالية من الرهن. هذا المبدأ يحمي استقرار الملكية ويمنع تضرر الشركاء من تصرفات شركائهم الطائشة أثناء فترة الشيوع.

 

سادساً: ضمان الاستحقاق ونقض القسمة للغبن

  1. الضمان: يضمن الشركاء بعضهم لبعض أي تعرض قانوني أو استحقاق للحصة لسبب سابق على القسمة (المادة 830).

  2. الغبن: يجوز للشريك في القسمة الرضائية فقط طلب نقض القسمة إذا لحقه غبن يزيد على الخمس (المادة 831). وتسقط هذه الدعوى بمرور سنة من تاريخ القسمة. ولا يجوز الطعن بالغبن في القسمة التي تمت عن طريق المزاد العلني.

     

سابعاً: القسمة المهيأة (الانتفاع المؤقت)

نظم القانون الكويتي في المواد (832-835) ما يعرف بـ "المهيأة"، وهي قسمة "منافع" لا "رقبة".

  • المهيأة المكانية: كأن يسكن أحد الورثة في الطابق الأول والآخر في الثاني لمدة معينة.

  • المهيأة الزمانية: كأن ينتفع أحدهم بالمزرعة صيفاً والآخر شتاءً.

  • انقلاب المهيأة لقطعية: نصت المادة 834 على أن المهيأة المكانية تنقلب إلى قسمة نهائية إذا استمرت لمدة خمس عشرة سنة دون اعتراض، ما لم يتفق الشركاء على غير ذلك.

      

    قسمة المال الشائع في القانون السعودي 

    ننتقل الآن إلى نظام القانون السعودي، والذي شهد طفرة تشريعية كبرى بصدور نظام المعاملات المدنية (بالمرسوم الملكي رقم م/191 وتاريخ 1444/11/29هـ). هذا النظام جاء ليقنن القواعد الفقهية ويضعها في نصوص نظامية واضحة ومحددة، متبعاً منهجية حديثة تتوافق مع "رؤية المملكة 2030". 

    تعتبر قضايا تقسيم العقارات والتركات من أكثر القضايا شيوعاً في المحاكم السعودية، ونظراً لما قد تسببه حالة "الشيوع" من تعطيل للتنمية العقارية ونشوء للنزاعات الأسرية، فقد وضع نظام المعاملات المدنية السعودي الجديد إطاراً نظامياً دقيقاً (المواد من 244 إلى 262) ينظم كيفية الخروج من الشيوع، مستمداً أحكامه من الشريعة الإسلامية مع صياغتها في قوالب نظامية عصرية.

     

    أولاً: المبدأ العام لإزالة الشيوع في النظام السعودي

    أقر النظام السعودي في المادة 244 حق الشريك الأصيل في طلب القسمة، حيث نصت على أنه: "لكل شريك أن يطلب قسمة المال الشائع ما لم يكن مجبراً على البقاء في الشيوع بمقتضى النظام أو الاتفاق".

    وهنا تبرز القاعدة الشرعية "لا ضرر ولا ضرار"؛ فالمصلحة تقتضي تمكين المالك من الاستقلال بملكه. ومع ذلك، أجاز النظام الاتفاق على البقاء في الشيوع لمدة لا تتجاوز خمس سنوات، وإذا زادت المدة، نُفذ الاتفاق في حدود السنوات الخمس فقط. هذا القيد يمنع حبس الأموال وتعطيل انتفاع الأجيال بها.

     

    ثانياً: طرق القسمة في النظام السعودي

    ينقسم إنهاء الشيوع في المملكة إلى طريقين رئيسيين:

    1. القسمة الرضائية (قسمة التراضي)

    وهي التي تتم باتفاق جميع الشركاء دون استثناء. وقد نصت المادة 245 على أن للشركاء أن يقتسموا المال الشائع بالطريقة التي يرونها إذا أجمعوا على ذلك.

  • الشرط الجوهري: هو "الإجماع"؛ فلا تصح قسمة التراضي بالأغلبية.

  • التوثيق: في العقارات، يجب أن توثق القسمة الرضائية لدى "كاتب العدل" أو عبر منصة "ناجز" لصدور صكوك ملكية مفرزة (صك إلكتروني مستقل لكل شريك).

  • حماية القاصر: إذا كان من بين الشركاء قاصر أو عديم أهلية، فلا بد من موافقة "محكمة الأحوال الشخصية" وإشرافها لضمان عدم وجود غبن أو محاباة.

2. القسمة القضائية (دعوى القسمة والإجبار)

إذا اختلف الشركاء أو امتنع أحدهم عن القسمة، يلجأ طالب القسمة إلى المحكمة العامة (بموجب نظام المرافعات الشرعية). وهنا تتبع المحكمة الآلية التالية:

  • قسمة العين (القسمة العينية): هي الأصل، وتتم إذا كان المال يقبل القسمة دون نقص كبير في قيمته أو فوات للمنفعة المقصودة منه.

  • ندب الخبير: تندب المحكمة خبيراً (أو مركز الخبرة "خبرة") لتقدير القيمة وتكوين الحصص.

  • القرعة: إذا استوت الحصص في القيمة والمنفعة، يتم اللجوء للقرعة لتحديد نصيب كل شريك.

     

ثالثاً: بيع المال لعدم إمكانية القسمة (التصفية)

نصت المادة 251 من نظام المعاملات المدنية على حالة تعذر القسمة العينية: "إذا تبين للمحكمة أن المال الشائع لا يقبل القسمة عيناً، أو كان من شأن قسمته إحداث نقص كبير في قيمته، حكمت ببيعه".

إجراءات البيع في النظام السعودي:

  1. يتم تقدير القيمة السوقية للعقار بواسطة مقيمين معتمدين (عبر الهيئة السعودية للمقيمين المعتمدين - تقييم).

  2. يباع العقار عبر "المزاد العلني" تحت إشراف محكمة التنفيذ (منصة المزاد الإلكتروني).

  3. يوزع الثمن على الشركاء كل حسب حصته.

  4. ملاحظة: يحق للشركاء استبعاد الأجانب من المزايدة إذا اتفقوا على قصر المزاد عليهم فقط.

     

رابعاً: الأثر الكاشف للقسمة في التشريع السعودي

تبنى النظام السعودي في المادة 253 المبدأ المستقر في الفقه والقانون: "يعد المتقاسم مالكاً للحصة التي آلت إليه منذ أن تملك في الشيوع، وأنه لم يملك غيرها في بقية الحصص".

هذا الأثر الرجعي يعني أن حقوق الشريك تتركز في الجزء المفرز الذي حصل عليه منذ تاريخ تملكه الأصلي (سواء بالإرث أو الشراء)، مما يطهر حصته من أي حقوق رتبها الشركاء الآخرون على "كل" المال الشائع أثناء فترة الشيوع.

 

خامساً: ضمان الاستحقاق ونقض القسمة للغبن

  1. الضمان: بموجب المادة 254، يضمن المتقاسمون بعضهم لبعض ما قد يقع من تعرض أو استحقاق لسبب سابق على القسمة، وذلك حفاظاً على توازن الأنصبة وعدالة القسمة.

  2. الغبن: في القسمة الرضائية، إذا ثبت وقوع غبن فاحش (يزيد عن الخمس) على أحد الشركاء، يحق له طلب نقض القسمة خلال سنة واحدة من تاريخ وقوعها، ما لم يكن الغبن قد زال أو عُوض الشريك عنه.

     

سادساً: قسمة المهايأة (الانتفاع الزماني والمكاني)

أجاز النظام السعودي في المواد (255-258) "المهايأة"، وهي تنظيم مؤقت للانتفاع بالمال الشائع مع بقاء الملكية مشتركة:

  • المهايأة المكانية: استقلال كل شريك بجزء مفرز من العين للانتفاع به.

  • المهايأة الزمانية: تناوب الشركاء على الانتفاع بالعين كلها لفترات محددة.

  • تحول المهايأة لقسمة نهائية: إذا استمرت المهايأة المكانية لمدة خمس عشرة سنة دون اعتراض من الشركاء، فإنها تنقلب إلى قسمة نهائية بقوة النظام، ما لم يوجد اتفاق بخلاف ذلك.

     

    وفي ختام هذا العرض المستفيض لأحكام قسمة المال الشائع في الأنظمة القانونية (المصرية والكويتية والسعودية)، يتضح لنا أن المشرع العربي – على اختلاف مسميات القوانين – قد انطلق من فلسفة عدلية واحدة؛ وهي أن "الأصل في الملكية هو الاستقلال، والشيوع وضع استثنائي عارض".

    لقد رأينا كيف أن القانون المصري وضع اللبنات الأولى للأثر الكاشف للقسمة، وكيف عزز القانون الكويتي من هيبة الإجراءات العقارية الرسمية، وصولاً إلى النهضة التشريعية في المملكة العربية السعودية التي قننت هذه الأحكام في نظام المعاملات المدنية الحديث بما يواكب سرعة العصر وضمانات الحقوق.

    إن إنهاء حالة الشيوع ليست مجرد إجراء قانوني لفض نزاع، بل هي أداة اقتصادية فعالة تهدف إلى تحرير العقارات والأموال من حالة "الجمود" لتنطلق في عجلة التنمية والاستثمار. وسواء سلك الشركاء طريق "الرضا" الذي هو غاية المشرع وأولويته، أو لجأوا إلى "القضاء" كملاذ أخير لفرض العدالة، يبقى الوعي بهذه النصوص هو الضمانة الوحيدة لحماية الروابط الأسرية من التفكك، وحماية الحقوق المالية من الضياع.

     

راسلنا واتساب